فخر الدين الرازي

57

المطالب العالية من العلم الإلهي

وأما جوابهم الثاني : فضعيف أيضا : لأن قولنا : لو كان الداخل في الوجود هو إيمان « زيد » لعلم اللّه في الأزل أنه يؤمن . ولو كان الداخل عدم إيمانه ، لعلم اللّه في الأزل أنه لا يؤمن . فهذا قضية شرطية . لأن قولنا : لو كان كذا ، لكان كذا : لا شك أنه قضية شرطية . لكنا نقول : إنه لا بد مع حصول هذه القضية الشرطية ، أنه تعالى [ كان « 1 » ] عالما في الأزل بأنه [ يؤمن ، أو كان عالما بأنه « 2 » ] لا يؤمن . فثبت : أن أحد هذين العلمين حاصل . وإذا كان ذلك حاصلا ، امتنع أن يقع نقيض ذلك المعلوم ، وإلا لزم أن يصير علمه جهلا وهذا محال . وأيضا : إن ذلك العلم ، لما كان علما في الأزل ثم قدرنا أن المعلوم لم يقع في الأزل ، فحينئذ ينقلب ذلك العلم جهلا في الأزل . وهذا مفضي إلى وقوع التبديل فيما حصل في الزمان الماضي ، وكل ذلك محال . فثبت بما ذكرنا : أن هذه الأجوبة في غاية الضعف ، وأن البرهان الذي عولنا عليه ، مما لا يمكن دفعه بوجه من الوجوه . وباللّه التوفيق البرهان الخامس لو لم يكن اللّه تعالى موجدا لأفعال العباد ، ولا موجدا لما يكون موجبا لها ، لامتنع كونه تعالى عالما بها قبل وقوعها . إلا أن خصومنا يوافقونا على أنه عالم بها قبل وقوعها . فيلزم القطع بأنه تعالى موجدا لها ، أو موجدا لما يكون موجبا لها . وهو المطلوب . أما بيان أنه تعالى عالم بأفعال العباد قبل وقوعها : فقد ذكرنا أنه متفق عليه بيننا وبين خصومنا . إنما الشأن في تقرير المقدمة الثانية . وهو قولنا : لو لم يكن موجدا لها ، ولا موجدا لما يكون موجبا لها ، لامتنع كونه تعالى عالما بها قبل وقوعها .

--> ( 1 ) من ( ط ، ل ) . ( 2 ) من ( ط ، ل ) .